الشيخ محمد رشيد رضا
96
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
إذا كان صادرا عن الشعور بعظمة المعبود ، وسلطانه الأعلى غير المحدود ، ومن أوتي هذا الشعور خشع قلبه ، ومن خشع قلبه خشعت جوارحه ، فلا يكون مختالا ، ان المختال لا يقوم بحقوق الوالدين ولا حقوق ذوي القربى لأنه لا يشعر بما عليه من الحق لغيره ، وإذا كان لا يقوم بحقوق الوالدين وفضلهما عليه ليس فوقه الا فضل اللّه تعالى ولا بحقوق ذوي القربى وهم بمقتضى النسب في طبقته ، فهل يرى نفسه مطالبا بحق ما لليتيم الضعيف ، أو للمسكين الاسيف ، أو للجار القريب أو البعيد ، أو للصاحب النبيه أو المغمول « 1 » ، أو لابن السبيل المعروف أو المجهول ، ؟ كلا ان هذا رجل مفتون بنفسه ، مسحور في عقله وحسه ، فلا يرجى منه البر والاحسان ، وانما يتوقع منه الإساءة والكفران ، اه بتصرف وزيادة وأقول ليس من الكبر والخيلاء ان يكون المرء وقورا في غير غلظة ، عزيز النفس مع الأدب والرقة ، حسن الثياب بلا تطرس « 2 » ولا ابتغاء شهرة ، روى مسلم وأبو داود والترمذي من حديث ابن مسعود قال قال رسول اللّه ( ص ) « لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر » فقال رجل ان الرجل يحب ان يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة فقال ( ص ) « ان اللّه جميل يحب الجمال ، الكبر بطر الحق وغمص الناس » وبطر الحق رده استخفافا به وترفعا أو عنادا ، وغمص الناس وغمطهم احتقارهم والازدراء بهم . وروى الطبراني وابن مردويه عن ثابت بن قيس بن شماس قال كنت عند رسول اللّه ( ص ) فقرأ هذه الآية فذكر الكبر وعظمه فبكى ثابت فقال له رسول اللّه ( ص ) « ما يبكيك » فقال يا رسول اللّه إني لأحب الجمال حتى أنه ليعجبني ان يحسن شراك نعلي ، قال « فأنت من أهل الجنة انه ليس بالكبر ان تحسن راحلتك ورحلك ولكن الكبر من سفه الحق وغمص الناس » وروى أبو داود من حديث أبي هريرة ان رجلا جميلا اتى النبي ( ص ) فقال إلي أحب الجمال وقد أعطيت منه ما ترى حتى ما أحب ان يفوقني أحد بشراك نعل فمن الكبر ذلك ؟ قال ( ص ) « لا ولكن الكبر من بطر الحق وغمص الناس » . ومن الخيلاء
--> ( 1 ) المغمول هو الخامل ( 2 ) تطرس الرجل لم يطعم ولم يشرب الاطيبا والمتطرس المتأنق المختار